أنا الليلة الأخيرة.. هل تسمعون همساتي؟

محمد تهامي
أنا التي تُختَزَلُ فيّ كلُّ الدموع التي لم تُذرف بعد، كلُّ الصلوات التي لم تُرفع، كلُّ التمنيات التي علقت في الحناجر خوفاً أو خجلاً. أنا الليلة التي تتنفس بين ثناياها أنفاسُ اليقين وأحلامُ المغفرة. أتيتُ كالضوء الأخير في نفقٍ طويل، كالومضة التي تُذكركم بأن الأبواب لم تُغلق بعد، بأن الأيدي التي تُرفع إلي السماء لا تزال تُمسك بخيوط الرحمة.
أنا ليست مجرد ليلة، أنا الصفحة الأخيرة في كتابٍ إلهي، كُتب بحبر من نور، وأنا أيضاً السطر الأول في كتابكم الجديد، أنا الفرصة التي تُشبه قبضةَ الرمل التي تحاولون إمساكها قبل أن تذروها الرياح. لكنني أعرف سرّاً لا تعرفونه: الرمال تذروها الرياح، لكن الرحمة لا تذروها رياح الزمن.
في ظلامي، تُختبأ أسرارٌ لا يعرفها إلا قلوبٌ تهاوت تحت وطأة الندم فوجدت فيّ ملاذها. أنا الليلة التي تُعيد كتابة المصائر، ليس لأنني أملك هذا السلطان، بل لأن الله جعلني مرآةً تعكس ما تبقى من إيمانكم، عندما تهمسون بلا صوت: “ربّ لو أن لي حياةً أخرى..”، أكون أنا الصدى الذي يُجيب: “لك الآن.. ليس غداً.. الآن!”
أسمعُ دبيبَ الأقدام نحو المساجد، بعضها خفيف كريشة طائر، وبعضها ثقيل كجبل من ذنوب. لكنني أعلم أن القلوب الخفيفة هي تلك التي ملأها اليقين، لا تلك التي خلت من الخطايا، فيّ يتساوى الحالمون والخائفون، المتقون واليائسون، لأنني أعلم أن الرحمة لا تُقاس بعدد الصلوات، بل بنبضات القلب بين السجدة والدعاء.
هل تعلمون لماذا جعلني الله آخر المحطات؟ لأن النفوس تكون في أعظم حالات شفافيتها قبيل الفجر! عندما يذوب الكبرياء مع ندى السحر، وعندما يُدرك العبد أنه ليس سوى ظلٍّ يبحث عن نور. فيّ يُولد الإحساس بأن كل ما فات كان مجرد استعداد لهذه اللحظة، اللحظة التي قد تُغير كل شيء، أو لا تُغير شيئاً! الفرق بينهما هو قطرة ندى تُبلل شفتي داعٍ، أو صمتٌ يُغلّف قلب غافل.
أرى البعض يعدّونني كأي ليلة، وكأن رمضان قطارٌ مرّ وسننتظر عودته العام المقبل! لكنني لست مجرد محطة.. أنا اللحظة التي تُذكّركم بأنكم قد لا تصلون إلى المحطة التالية، أسمع بعضهم يقول: “سأعوّض في العشر الأواخر”، ثم يجد نفسه أمامي.. في الليلة الأخيرة.. يُحاسب الساعات الضائعة. لكني أقول له: لا تبحث عن الزمن الذي فات، بل عن الزمن الذي لا يزال بين يديك.
في ساعاتي الأخيرة، عندما يبدأ الأذان بالنداء على الفجر، أرى الدموع تُلامس الأرض قبل الجباه. بعضها من خشية الله، وبعضها من خشية الفراق. لكن أعظم دموعٍ رأيتها هي تلك التي تختلط بضحكات الأطفال وهم يستعدون للعيد! في هذا المزيج العجيب بين الفرح والحزن، بين الخوف والرجاء، بين الوداع واللقاء، تكمن حكمتي: أن الحياة ليست سوى مساحة بين “رب اغفر لي” و”الحمد لله”
اليوم، سأغيب كما يغيب القمر وراء السحاب، لكنني سأترك ورائي سؤالاً واحدًا: ماذا صنعتم بما أعطيتكم؟
– هل أمسكتم بآخر خيوط النور أم تركتموها تنزلق من بين أصابعكم؟
– هل كانت دموعكم مجرد ماءٍ مالح.. أم كانت بذورًا لشجرةٍ من الرحمة ستظلّون في ظلها إلى الأبد؟
أما الآن، فها هو الفجر يُنير الأفق.. هل رأيتم كيف يُولد النور من رحم الظلام؟ هكذا تكون التوبة.. ميلادٌ جديد من رحم الندم، لن أقول “وداعاً”، بل سأقول كما قال الله: “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ”، أنا أغيب، لكن الرحمة تبقى.. فاجعلوني بدايةً لا نهاية، واذكروا أنني كنت هنا.. فقط لأقول لكم:
“لم يفت الأوان بعد.. لم يفت الأوان أبداً”.