غزة تكتب العيد بمدادٍ لا يعرفه التاريخ

محمد تهامي
العيد في عُرف العالم لحظة فرح، وثياب جديدة، وأضواء تتلألأ في سماء المدن. لكنه في غزة، قصة أخرى، سرد مختلف، فصوله مكتوبة بالدم والصمود، وصفحاته ممزقة بين الحلم والوجع، بين التكبير الذي يعلو في المساجد، والانفجارات التي تردده بلسانٍ آخر. هنا، حيث لا زينة تُعلّق، ولا ألعاب تتهادى في أيدي الصغار، العيد ليس مناسبة عابرة، بل شهادة حياة، وإعلان بقاء في وجه الموت الذي يطرق الأبواب بلا استئذان.
أيها العالم، يا كل من يحتفل اليوم، يا من تشرق الشمس على مدنكم فتغمرها بالسلام، اقتربوا قليلًا. لا تنظروا إلى غزة كما اعتدتم أن تفعلوا عبر الشاشات الصامتة، لا تقرأوها كخبرٍ في شريط عاجل يمر دون أن يترك أثرًا. أنصتوا إلى الأرض، دعوا أرواحكم تتلمس الطرقات التي لا يزال يئن فيها الركام، اسألوا عن الأطفال الذين ذهبوا ليناموا ولم يعودوا، عن الأحلام التي علقت في الهواء قبل أن تُسقطها الصواريخ.
الذين يعرفون العيد في غزة، يعرفونه بثوب الأم التي لم تعد تسمع صوت ابنها، بدمعة الأب الذي وقف عاجزًا أمام الركام وهو يردد: “كان هنا بيتي، كان هنا العيد”. يعرفونه بيد الصغير التي امتدت إلى لعبةٍ كانت في يد أخيه بالأمس، ولم تجدها اليوم. العيد في غزة ليس وعدًا بالفرح، لكنه وعدٌ بأنهم باقون، وأن للحياة معنى أكبر من الزينة والتهاني، معنى لا يفهمه إلا من مرّ بالموت وعاد منه أكثر حياة.
يقول الرافعي: “إذا لم تزد على الدنيا كنت زائدًا عليها”. وغزة ليست زائدًا على هذا العالم، ليست طرفًا هامشيًا في قصته، بل هي الصفحة التي لم تُكتب بعد، الحقيقة التي يحاول الجميع تجاهلها، الجرح الذي كلما ظنوا أنه سيندمل، نزف أكثر ليذكرهم بأنه لم يمت، ولن يموت.
العالم اليوم يحتفل، يفرح، يضيء مدنه بأنوار العيد، بينما غزة تضيئها أرواح الشهداء. في العيد تُقدَّم الهدايا، لكن في غزة تُقدَّم الأرواح. في العيد تُفرش الموائد، لكن في غزة تُفرش الأرض بأكفان بيضاء، ويلتف الأطفال حول قصص لا تُروى لهم عن الفرح، بل عن صبرٍ يتجاوز أعمارهم.
يا كل من يسمع ويرى، يا كل من يدّعي أن للإنسانية صوتًا، هل ما زلتم هناك؟ هل تسمعون وقع الخطوات فوق الركام، هل تشعرون بأنين الأمهات، هل تلمسون الحزن في أعينٍ لم يعد فيها متسعٌ للدموع؟ العيد ليس فرحةً مؤقتة تنتهي عند حدود اللحظة، بل هو معنى أكبر، هو سؤال يُطرح على الضمير، على الوجدان، على القيم التي يُقال إنها تحكم العالم. فإن كان العيد عيدًا لكل البشر، فلماذا غزة وحدها خارج الاحتفال؟
في عيدٍ مضى، قال عمر بن الخطاب: “نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلّنا الله”. وغزة لم تبتغِ عزتها في أحد، لم ترفع راياتها طلبًا لعطفٍ زائل، بل رفعتها إيمانًا بأن الحق لا يموت، وأن الأرض لا يملكها من يبطش، بل من يصبر، من يتمسك بها رغم كل شيء، من يحرسها بأرواح الشهداء ويغرسها في وجدان الأجيال القادمة.
لكن، رغم كل هذا الألم، ورغم أن العيد في غزة كُتب بلونٍ آخر، إلا أن الحلم لا يزال حيًا. الحلم بعيدٍ قادم، ليس كأي عيد، عيدٌ لن يُحتفل به داخل الجدران، بل تحت السماء المفتوحة للحرية. عيدٌ لا يكون فيه المسجد الأقصى محاصرًا، ولا تكون البيوت مهددة بالهدم، ولا يكون الخوف ضيفًا ثقيلًا في كل منزل.
تخيلوا معي ذلك العيد، حين تعود غزة لتكون كما كانت، حين تكون ساحاتها مليئةً بالضحك لا بالدموع، حين يتراكض الصغار حاملين ألعابهم لا بقايا ذكرياتهم، حين تمتلئ شوارع القدس بالمصلين، فلا تقطع صلاتهم أيادٍ دخيلة.
ذلك العيد ليس وهمًا، بل وعدًا. وعدٌ بأن كل جرح سيندمل، وكل ألمٍ سيزول، وكل شهيدٍ سيُذكر اسمه في صفحات النصر. وإن كان اليوم عيد غزة محاصرًا بالألم، فإن الغد لها، والأعياد التي لم تُكتب بعد، الأعياد التي لن تكون مجرد تهنئةٍ عابرة، بل إعلانًا بأن الحق قد عاد، وأن الفرح الذي انتظرته غزة طويلًا قد أتى، أتى بكل ما فيه من حرية، ومن حياة، ومن كرامةٍ لا تُشترى ولا تُباع.
فيا أمة الإنسان، لا تتركوا غزة وحيدةً في العيد، لا تجعلوا احتفالاتكم تمر وكأن شيئًا لم يكن، لا تغلقوا قلوبكم كما تُغلق الأبواب. اجعلوا من عيدكم رسالةً لها، اجعلوه وعدًا بأنكم لم تنسوها، وبأنها ليست وحدها، وبأن العيد الحقيقي ليس ثوبًا جديدًا، بل وطنًا مُحررًا، وكرامةً لا تنكسر، وحريةً لا تقبل المساومة.
كل عام وغزة بخير، كل عام وهي تكتب العيد بمدادٍ لا يُمحى، كل عام وهي أقوى مما يظنون، كل عام وهي العيد الذي لم يعرفه العالم بعد، لكنه آتٍ لا محالة.