عندما يرحل العلماء.. هل تنطفئ أنوار الحضارة؟

محمد تهامي
في كل أمة، هناك رجال لا يُعوض فقدهم، ومصابيح تنطفئ فتترك ظلمةً في العقول والقلوب. العلماء هم هؤلاء الرجال، وهم أنوار الحضارة التي تهدي الناس في أزمنة الضياع. وحين يرحل أحدهم، لا يكون مجرد غياب شخص، بل هو انطفاء شعلة كانت تضيء الطريق للأجيال، وتضيف إلى صرح الإنسانية لبنةً جديدةً من المعرفة.
التاريخ يخبرنا أن فقدان العلماء لم يكن يومًا حدثًا عابرًا، بل كان دومًا نقطة تحوّل في مصير الأمم. فمنذ أفول نجم الحضارة الإسلامية في الأندلس، وحتى غياب عمالقة الفكر في الغرب، ظل السؤال قائمًا: ماذا يحدث عندما ترحل العقول العظيمة؟ ألم يكن سقوط بغداد عام 1258 كارثةً فكريةً بقدر ما كان نكبةً سياسية، حين أُحرقت آلاف الكتب في نهر دجلة، فانطفأت معها أنوار العلم التي أضاءت العصور الوسطى؟
اليوم، ونحن نودّع عالمًا من علماء الحديث، الشيخ الحويني رحمه الله، ندرك أن فقدان العلماء ليس مجرد لحظة حزن، بل جرس إنذار يذكّرنا بأن غيابهم فراغ لا يملأه إلا العلم الذي تركوه، والفكر الذي زرعوه في طلابهم. لقد كان الحويني مثالًا للعالم الذي لم يكن مجرد ناقلٍ للحديث، بل كان مدافعًا عن المنهج، صامدًا في وجه التحديات، متحملًا الألم والغربة في سبيل نشر الحقيقة، تمامًا كما وصف ابن القيم العلماء حين قال: “هم القلوب الحية التي تبصر ما لا يراه الناس، وتحفظ ما يضيّعونه، وتفهم ما يغيب عنهم”.
لكن السؤال الأهم: هل يموت العلم بموت العلماء؟ الجواب نجده في صفحات التاريخ، حيث نرى أن الأمم العظيمة لم تكن تتوقف عند فقدان عباقرتها، بل كانت تستمد من رحيلهم دافعًا لمواصلة المسيرة. أرسطو مات، لكن فلسفته لا تزال حجر الأساس في الفكر الغربي، ابن سينا رحل، لكن مؤلفاته ظلت تُدرّس في الطب لقرون، ابن حزم ترك الدنيا، لكن نظرياته في الفقه والاجتماع لا تزال مرجعًا حتى اليوم.
الإمام محمد الأمين الشنقيطي كان يقول: “العلم لا يموت، لكنه يُهمل، وإن أهملته أمةٌ فقدت بريقها، وإن حملته أخرى سادت به العالم”. وهذا هو التحدي الذي تواجهه الأمة اليوم؛ هل نحمل مشاعل العلم التي تركها لنا العلماء، أم نتركها تنطفئ كما انطفأت في أزمنة الضعف والانحطاط؟
العلم ليس مجرد كلمات في الكتب، بل هو منظومة حياة، وأسلوب تفكير، وميراث حضاري لا يمكن التفريط فيه. وموت العلماء ليس النهاية، بل هو بداية مسؤولية جديدة على عاتقنا. وكما قال الإمام ابن حزم: “لو لم يكن للعلماء فضل إلا أن الجهال يهابونهم، ويجلّونهم، لكفى، فكيف وهم الذين يرفعون الجهل، ويصونون العقول، ويقودون الأمم؟”.
اليوم، إذ نرثي الشيخ الحويني، فإننا لا نرثي فردًا، بل نرثي مرحلة من العطاء، وعهدًا من الاجتهاد، ونقف أمام تحدٍّ: هل سنكون جديرين بإرث العلماء؟ هل سنحمل راية العلم، ونواصل البناء، ونحفظ ما تركوه لنا، أم سيكون رحيلهم بدايةً لمرحلةٍ جديدةٍ من الخسارة؟
إن الحضارات لا تبنى بالأماني، بل تبنى بالعلم والفكر والبحث. وعندما نفقد عالمًا، لا ينبغي أن يكون ذلك مجرد لحظة حزن، بل يجب أن يكون نداءً للبحث، والتعلّم، والاستزادة، لأن الأمة التي تحترم علم علماءها، لا تموت بموتهم، بل تحيا بما تركوه، وتنهض بما زرعوه في العقول والقلوب.
رحم الله علماءنا، وأسكنهم فسيح جناته، وألهمنا أن نكون على قدر الأمانة التي تركوها لنا.