آخر مقالة كتبها الشهيد د.وليد العلي للنشر في “الأنباء” قبل استشهاده بعنوان “حراسة الكلمات وصيانة اللفظات”

عن علقمة بن وقاص، رحمه الله تعالى، قال: «مر به رجل له شرف، فقال له علقمة: ان لك رحما، وان لك حقا، واني رأيتك تدخل على هؤلاء الأمراء، وتتكلم عندهم بما شاء الله ان تتكلم به، وإني سمعت بلال بن الحارث المزني، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان احدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن ان تبلغ ما بلغت، فيكتب الله، عز وجل، عليه بها سخطه الى يوم يلقاه.
قال علقمة: فانظر ويحك ماذا تقول: وماذا تكلم به؟ فرب كلام قد منعني ان اتكلم به: ما سمعت من بلال بن الحارث» أخرجه ابن ماجه.
فأيسر حركات الجوارح حركة اللسان، ومع ذلك فهي اضرها على الانسان، فلو تحرك عضو من الانسان في اليوم والليلة بقدر ما يتحرك اللسان، لشق عليه ذلك غاية المشقة بل لا يمكن ان تطيق ذلك منه الأركان.
وان العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات امثال الجبال فيجدها قد هدمت وجعلت هباء منثورا بسبب لسانه الثرثار المهذار، وان العبد ليأتي يوم القيامة بسيئات امثال الجبال فيجدها قد هدمت بسبب لسانه الرطب بكثرة الاذكار والاستغفار.
وفي هذا اللسان: آفتان عظيمتان، ان خلص العبد من احداهما في موطن لم يكد يخلص من الاخرى في مقام، وهاتان الآفتان العظيمتان المبتلى بهما اللسان هما آفة السكوت وآفة الكلام، وقد يكون كل من الساكت ومن المتكلم اعظم انما في وقت من الأوقات وفي زمن من الأزمان، فالساكت عن الحق شيطان اخرس والمتكلم بالباطل شيطان ناطق وكلاهما منحرفان وآثمان.
واعظم باب يتخوض فيه اللسان بالإثم والعدوان فصاحبه بسخط الله وغضبه قد باء: ان يجعل المرء نفسه خازنا على باب الجنة فيدخل فيها من شاء او يمنع عنها من شاء، لذا فقد جاء الوعيد من التالي على الله تعالى بمحض الآراء او بمقتضى الاهواء، فعن عائشة ام المؤمنين رضي الله عنها قالت: «دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم الى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: أو غير ذلك يا عائشة؟! ان الله خلق للجنة أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كان رجلان في بني اسرائيل متآخيين، فكان احدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الاخر على الذنب فيقول: أقصر. فوجده يوما على ذنب فقال له: أقصر.
فقال: خلني وربي، ابعثت علي رقيبا، فقال: والله، لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض ارواحهما فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما، أو كنت على ما في يدي قادرا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للاخر: اذهبوا به الى النار.
قال ابوهريرة: والذي نفسي بيده، لتكلم بكلمة اوبقت دنياه وآخرته» أخرجه أبوداود.