قراءة في مقال الكاتب محمد حلوان الشراري (حين يصبح الرثاء أدباً خالداً)

بقلم العميد م/ لافي عايد المزودي
ما كتبه الأديب والمؤلف محمد بن حلوان الشراري عن الأديب والشاعر الفصيح جمعه بن جارد الطليحة الشراري يرحمه الله، ليس مجرد مقال رثائي، بل نص أدبي متكامل يستحق أن يُقرأ كوثيقة وفاء، وكقراءة نقدية وإنسانية في حياة شاعر عاش الكلمة وعاشته الكلمة.
من أول سطر:
“فقدت الساحة الأدبية في منطقة الجوف أحد الشعراء الذين أثروا الفكر والكلمة”
أنت هنا يا أبو أصيل لم تبدأ بالوفاة، بل بدأت بالأثر.
وهذا ذكاء أدبي وإنساني كبير، لأنك لم تجعل أبا يزيد مجرد شاعر رحل، بل جعلته قيمة ثقافية وفكرية وإنسانية تركت أثرها في العقول والوجدان.
واختيارك لعبارة “الفكر والكلمة” يدل أن الرجل عندك لم يكن مجرد صانع أبيات، بل صاحب حضور ثقافي وإنساني كامل.
ثم قولك:
“بعد مسيرة حافلة بالعطاء”
هذه الجملة القصيرة تحمل اعترافاً ضمنياً بأن أبا يزيد لم يكن صوتاً عابراً، بل تجربة ممتدة وزمناً طويلاً من الكتابة والتأثير والعطاء.
وأما وصفك لقصائده بأنها:
“متناثرة في وسائل التواصل الاجتماعي”
ففيه حنين خفي، وكأنك تتحسر أن تجربة بهذا العمق لم تُجمع مبكراً في دواوين تحفظها من التبعثر.
ثم جاءت العبارة الأجمل:
“ومقالاته المغموسة بتجاربه ورحلاته العلمية والأدبية”
وكلمة “المغموسة” وحدها تختصر مدرسة كاملة في الكتابة؛ لأنها تعني أن نصوصه لم تكن تنظيراً بارداً، بل كتابة خرجت من السفر، والتجربة، والتعب، والتأمل، والاحتكاك بالحياة.
ثم قولك:
“كان صادحاً بالشعر”
فيه تصوير بليغ لشخصية أبي يزيد.
فالصادح ليس شاعراً يكتب بصمت، بل صوتٌ حاضر، له نبرة وتأثير وحضور وهيبة.
وكأنك تقول إن شعره كان يُسمع قبل أن يُقرأ.
ثم حين جمعت بين:
“جمال قصائده”
و
“قوة مفرداته”
فأنت قدمت قراءة نقدية دقيقة، لأن الشعر الحقيقي هو الذي يجمع بين العذوبة والجزالة، بين الإحساس والتمكن اللغوي.
ثم تأتي عبارتك:
“حتى وجد المتلقي في شعره نوراً يبدد العتمة، وصدقاً يلامس الوجدان”
وهنا بلغ المقال مستوى أدبياً رفيعاً، لأنك لم تتحدث عن إعجاب القارئ بالشعر فقط، بل عن أثره النفسي والروحي.
وهذا لا يتحقق إلا في الشعر الصادق الذي يخرج من قلب عاش التجربة لا من ذهن يصنع الكلام.
ثم تأتي شهادة الأديب الكبير الراحل سلمان الأفنس رحمه الله…ابو ابراهيم
وهنا يظهر ذكاؤك النقدي الكبير.
فاستحضار اسم سلمان الأفنس ليس ترفاً، بل استدعاء لصوت أدبي مخضرم يعرف الشعر الحقيقي ويزن الرجال بميزان الأدب لا المجاملة.
وقوله:
“إنه ينسج القوافي ويعيد خلقها”
هذه العبارة وحدها ترفع أبا يزيد إلى مقام الشعراء أصحاب البصمة الخاصة.
لأن “إعادة خلق القافية” تعني أن الشاعر لا يكرر اللغة، بل يمنحها روحاً جديدة وصياغة مختلفة.
ثم قوله:
“دون معاناة أو إجهاد أو تكلف”
هذه من أعظم الشهادات الأدبية، لأن القصيدة حين تأتي طبيعية وعفوية بهذه السلاسة، فهذا دليل تمكن عظيم.
وأما حديثه عن:
“الثراء الفني والإحساس الموسيقي”
فهو يؤكد أن أبا يزيد لم يكن شاعر وزن فقط، بل شاعر إيقاع وإحساس ونَفَس موسيقي داخلي يجعل القصيدة تُسمع كما تُقرأ.
ثم نصل إلى “صوفية الكلمات”…
وهنا يتحول المقال من رثاء إلى وجع أدبي جميل.
فالعنوان وحده يحمل روح شاعر متعبد بالكلمة، يرى الشعر حالة وجد روحي لا مجرد أبيات موزونة.
والأبيات التي أوردتها كشفت عن شاعر يكتب بإحساس شفاف، وصور حية، ولغة عاطفية راقية.
خصوصاً قوله:
“ولهاث أعصابي وراء خطاك”
فهذه ليست عبارة تكتب ببرود، بل إحساس يخرج من روح متعبة عاشقة.
ثم تأتي الجملة الأشد إيلاماً:
“فظل الديوان حبيس الأدراج”
وهنا شعر القارئ أنه أمام كنز أدبي مؤجل، وتجربة شعرية لم تُنصف بعد.
بل إن هذه العبارة وحدها جعلت كل محب للأدب يتمنى أن يرى هذا الديوان النور وفاءً للشاعر وحفظاً لتجربته.
ثم جاء الجانب الإنساني…
وهنا أبدعت في السرد بصدق نادر.
لم تتحدث عن حادث فقد زوجته كخبر عابر، بل كزلزال داخلي غيّر روح شاعر.
وصفت الحادث، والعناية المركزة، والعلاج، ثم الحزن الطويل الذي بقي داخله، بلغة هادئة مؤلمة بعيدة عن المبالغة.
واختيارك للبيت:
“فلا استقلت بنا للقبر راحلة”
يدل على أنك لم تكن تروي السيرة فقط، بل تربط بين حياته وشعره، وكأن القصيدة أصبحت انعكاساً لجرحه الداخلي.
ثم جاءت مرحلة الضوء بعد العتمة…
زوجة مثقفة وشاعرة،
وحوار أدبي،
ومساجلات شعرية.
وهنا ظهرت صورة أبي يزيد الإنسان العاشق المثقف، لا الشاعر الحزين فقط.
وكانت المساجلات من أرقى ما ورد في المقال.
خصوصاً قوله:
“أنا مؤمن، وقصائدي تتزندق”
فهذه العبارة وحدها تفتح أبواباً واسعة لفهم طبيعة الشعر، وكيف أن القصيدة قد تذهب بخيالها بعيداً بينما يبقى قلب الشاعر ثابتاً على إيمانه.
ثم قوله:
“إلا وفي جنبيه طفل أحمق”
من أصدق ما قيل في وصف روح الشعراء؛ لأن هذا الطفل هو الدهشة، والبراءة، والانبهار بالجمال، والركض خلف الإحساس مهما تقدم العمر.
ثم حين قلت:
“وعادت البسمة إلى محياه وكأنه عاد إلى الحياة من جديد”
أعطيت القارئ فسحة ضوء بعد كل ذلك الحزن، ثم أعدته للحقيقة الموجعة حين داهمه المرض الخبيث.
ووصفك لصبره وتقواه وحسن ظنه بالله كان وصفاً يليق بخاتمة شاعر مؤمن، تعب جسده لكن روحه بقيت مطمئنة.
أما حديثك عن حرصك على توثيق رحلاته إلى جزر القمر لتعليم اللغة العربية، فهو جانب بالغ الأهمية؛ لأنه كشف أبا يزيد بصورة المعلم وصاحب الرسالة، لا الشاعر فقط.
ثم جاءت جلسة الوداع…
وهنا بلغ المقال قمته الإنسانية.
قولك:
“بدأ يحدثنا وكأنه يعلم في قرارة نفسه أن ذلك هو حديث الوداع”
من أوجع وأصدق ما كتب.
ووصفك لصوته وهو يخونه، وتوقفه لشرب الماء، ثم مواصلته الحديث بثبات المؤمن…
كل ذلك نقل للقارئ روح اللحظة لا تفاصيلها فقط.
أما حديث الطفولة والبدايات المدرسية، فقد كتبته بروح روائي يعرف كيف يصنع المشهد.
قصة القصيدة في دفتر المدرسة،
وعقوبة المعلم،
ثم احتضان الأستاذ هاشم أبو هاشم لموهبته…
كلها مشاهد صنعت ولادة شاعر حقيقي.
حتى موقف والده كان صادقاً وإنسانياً جداً…
أبٌ أحب موهبة ابنه لكنه خاف عليه من أن يأخذه الشعر بعيداً عن الدراسة.
ثم حديثك عن المعلقات، والمجاراة الشعرية، والأمسيات، والدكتور سالم بن بشير الضبيعان، كشف أن أبا يزيد لم يكن موهبة عابرة، بل قامة أدبية نضجت مبكراً واعترف بها الكبار قبل الجمهور.
يا أبو أصيل…
لقد كتبت عن أبي يزيد كما يكتب الأدباء الكبار عن الرجال الذين يخشون أن يبتلعهم النسيان.
أنصفته شاعراً،
وإنساناً،
ومعلماً،
ومثقفاً،
وصاحب رسالة،
وصاحب وجع جميل أيضاً.
ورحم الله الأديب والشاعر الفصيح جمعه بن جارد الطليحة الشراري أبو يزيد…
فقد رحل الجسد، لكن مقالك هذا أبقى صوته حياً في ذاكرة الأدب ومحبيه.
ويبقى الأمل الكبير أن يرى ديوان “صوفية الكلمات” النور قريباً، ليكون وفاءً يليق بالأديب والشاعر الفصيح جمعه بن جارد الطليحة الشراري أبو يزيد رحمه الله، وحفظاً لإرث أدبي وإنساني جميل يستحق أن يبقى حياً في ذاكرة الأدب ومحبي الكلمة الصادقة للأجيال القادمة.



